تقارير الخبرة

تقارير الخبرة المالية: متى تحتاج إليها؟

تقرير الخبرة المالية وثيقة يُعدّها متخصص مالي مؤهل لمساعدة محكمة أو هيئة تحكيم أو جهة اتخاذ قرار أخرى في فهم مسائل تستلزم تحليلاً مالياً متخصصاً. ليس كل نزاع مالي يستدعي تقرير خبرة. وليس كل تحليل مالي يرقى إلى مستوى تقرير الخبرة. فهم متى يُطلَب التقرير وأي نوع منه يناسب الحالة وممن يُستطلَب يحدد ما إذا كان مركزك المالي يُمثَّل على الوجه الصحيح في الإجراءات.

أربع حالات تستدعيه في الغالب

إجراءات المحاكم. حين تتضمن دعوى مدنية أو تجارية أمام المحاكم الإماراتية أرقاماً مالية متنازعاً عليها، يجوز للقاضي تعيين خبير محاسبي بموجب قانون الإثبات. ذلك تقرير صادر بأمر المحكمة له نطاقه وسلطته الخاصة. وبالتوازي مع ذلك، قد يُكلّف أحد أطراف التقاضي خبيراً مستقلاً لإعداد تقرير يدعم لوائحه. يخدم كلٌّ من التقريرين غرضاً مختلفاً ويحمل ثقلاً إثباتياً مغايراً.

التحكيم. تنص كثير من العقود التجارية في الإمارات على التحكيم وسيلةً لحل النزاعات. في الإجراءات التي تُديرها مراكز التحكيم كمركز دبي للتحكيم الدولي وغيره، يجوز للأطراف الاستعانة بخبراء ماليين مستقلين لمعالجة مسائل مالية بعينها. يتمتع الأطراف في التحكيم بقدر أكبر من السيطرة على توقيت التقرير ونطاقه واختيار الخبير.

نزاعات المساهمين والشركاء. حين يتنازع المساهمون على توزيعات الأرباح أو تقييمات الخروج أو شروط الشراء، يوفر تقرير الخبرة المالية المستقل الأساس الواقعي للمفاوضات أو الإجراءات. كثيراً ما تُعدّ هذه التقارير قبل أي تقديم رسمي للمحاكم أو هيئات التحكيم.

العناية الواجبة ونزاعات ما بعد الاستحواذ. تُستخدم تقارير الخبرة المالية أيضاً في العناية الواجبة قبل الاستحواذ، وفي النزاعات التي تنشأ بعده حين يختلف الأطراف حول ما كانت تُظهره البيانات المالية وقت الإغلاق.

الفرق بين التقرير المكلَّف من الطرف وتقرير المحكمة

هذان النوعان من التقارير ليسا قابلَين للتبادل، والفارق بينهما ذو أثر عملي في الإجراءات الإماراتية.

الخبير الذي يُكلّفه أحد الأطراف يُجيب أمام ذلك الطرف ويتناول الأسئلة التي يراها الطرف الأكثر أهمية. يُقدَّم التقرير دليلاً لصالح ذلك الطرف، ويجوز للطرف الآخر الطعن فيه، وتُعطيه المحكمة الثقل الذي تراه مناسباً.

الخبير المعين من المحكمة يُجيب أمام المحكمة وحدها. يحدد أمر المحكمة النطاق. يُعامَل التقرير باعتباره مساعدة قضائية تقنية ويحمل حجية افتراضية لا يتمتع بها التقرير المكلَّف من الطرف.

تكليف تقرير قبل بدء الإجراءات

تقرير الخبرة المالية المُعدّ في مرحلة مبكرة قبل أي إيداع رسمي يؤدي وظائف عدة: يُثبّت الحقائق المالية في مرحلة لا تزال فيها المواقف قابلة للتشكّل، ويُمكّن المستشار القانوني من تقييم القضية المالية بدقة، ويوفر وثيقة قابلة للاستخدام في مناقشات التسوية، ويُمكّن الموكل من اتخاذ قرار مدروس بشأن متابعة النزاع.

الاستقلالية هي المتطلب الأساسي في هذه المرحلة. الخبير الذي تربطه علاقة سابقة بأي من الطرفين معرّض للطعن في استقلاليته إذا تطورت القضية إلى إجراءات رسمية. ذلك الطعن يُضعف التقرير قبل أن يُقرأ في ضوء مزاياه الموضوعية.

اختبار عملي لتقدير الحاجة إلى التقرير

ليس كل خلاف مالي يتحسن بتقرير خبرة. والسؤال الذي يفصل بين الحالات المستفيدة وغير المستفيدة هو ما إذا كان النزاع يدور على احتساب أم على استحقاق قانوني. فحين يتفق الطرفان على ما ينص عليه العقد ويختلفان على ما تنتجه الأرقام، يحرّك الاحتساب المستقل المسألة. وحين يتفقان على الأرقام ويختلفان على انطباق شرط من الشروط، يجيب التقرير عن سؤال لا يطرحه أحد.

وثمة أربعة أسئلة أخرى جديرة بالبحث قبل تكليف أي جهة.

هل السجلات قادرة على حمل رأي؟ يعمل الخبير مما هو قائم. فحين لا يكون دفتر الأستاذ قد طوبق مع البنك قط، أو لم تُدوَّن موافقات مجلس الإدارة في محاضر، أو لم تُدقَّق المدة ذات الصلة أصلاً، فإن التقرير الأمين يقرر ذلك، وقد تكون تلك النتيجة في ذاتها أنفع المخرجات. ومعرفة ذلك قبل التكليف خير من معرفته بعده.

هل توجد منهجية معترف بها للسؤال؟ للتعويضات والتقييم وتتبّع الأموال مناهج مقبولة لكل منها. أما السؤال المصاغ صياغة فضفاضة لا تنطبق عليها منهجية فيُنتج تقريراً يُقرأ رأياً، والرأي هو ما سيهاجمه الطرف الآخر.

هل يغيّر الرقم المستقل مسار التفاوض؟ في كثير من النزاعات لا يفصل بين الطرفين الرقم بقدر ما يفصل بينهما غياب أي رقم يقبله كلاهما. والاحتساب المستقل يمنح كل طرف ما يمكن اختباره بدل ما يمكن ادّعاؤه.

هل الكلفة متناسبة؟ نطاق التكليف لا حجم النزاع هو ما يحدد الكلفة. فالتكليف الضيق الموجَّه إلى الرقمين أو الثلاثة التي يدور عليها الفصل أنفع عادةً وأقل كلفة بكثير من مراجعة عامة للحسابات.

من يجوز له إعداده ولماذا يهم ذلك

مركز من يوقّع التقرير يؤثر في المدى الذي يبلغه. فبالنسبة إلى العمل أمام المحاكم الإماراتية، يمثل المرسوم بقانون اتحادي رقم 21 لسنة 2022 في شأن تنظيم مهنة الخبرة أمام الجهات القضائية الأداة الحاكمة. فالمادة 5 تنص على جدول الوزارة مصنفاً بحسب التخصص، والمادة 6 تضع شروط القيد ومنها المؤهل وسنوات الخبرة والتدريب والاختبار والتأمين. وتوجب المادة 4(1) أن يكون الخبير المندوب مقيداً في الجدول، فيما تجيز المادة 4(2) للأطراف الاتفاق على خبير غير مقيد بموافقة المحكمة، وهو السبيل إلى الاستعانة بمتخصص من خارج الجدول. وتحمل المادة 14 التزامات الممارسة، ومنها الاستقلال وأداء المأمورية شخصياً والسرية، وتمنع المادة 14(6) المأمورية متى كان الخبير قد استُشير من قبل أحد الأطراف. وتوجب المادة 12 مزاولة المهنة من خلال منشأة خبرة مرخصة، وتتناول المادة 30 الأتعاب.

ولا يستلزم التقرير المكلَّف من الطرف تعييناً قضائياً. غير أنه ينتفع بأن يُعِدّه من تتوافر فيه شروط ذلك التعيين، لأن أول ما يسأل عنه الطرف الخصم هو ما إذا كانت المحكمة ستقبل مُعِدّه في الموضوع ذاته. وحين يتصل التقرير بالحسابات النظامية لشركة، يكون المركز بموجب المرسوم بقانون اتحادي رقم 32 لسنة 2021 في شأن الشركات التجارية ذا صلة كذلك، إذ ينظم ذلك القانون مسك حسابات الشركة واعتمادها وتعيين مدقق الحسابات الذي سيفحص التقرير أرقامه.

والاستقلال يُختبَر بالوقائع لا بالوصف. فالتكليف السابق بتقديم المشورة في الصفقة محل النزاع، أو العلاقة المستمرة مع أحد المساهمين، أو الأتعاب المعلَّقة على النتيجة، كل منها قادر على أن يردّ التقرير إلى مجرد مذكرة قبل النظر في مضمونه.

المراكز الضريبية صارت جزءاً من النزاع المالي

منذ صدور المرسوم بقانون اتحادي رقم 47 لسنة 2022 في شأن الضريبة على الشركات والأعمال، صار المركز الضريبي للمنشأة جزءاً من الصورة المالية التي على التقرير تناولها. فالمادة 3 تحدد أسعار ضريبة الشركات، والمادة 18 تضع شروط الشخص المؤهل في المنطقة الحرة، ويكمّلهما قرار مجلس الوزراء رقم 100 لسنة 2023 والقرار الوزاري رقم 265 لسنة 2023 في شأن الأنشطة المؤهلة والأنشطة المستبعَدة.

والأثر العملي على تقرير الخبرة أن الأرقام قبل الضريبة وبعدها لم تعد قابلة للتبادل. فاحتساب التعويض، وإعادة بناء الأرباح القابلة للتوزيع، والتقييم، يبدو كل منها مختلفاً متى نُمذِج العبء الضريبي، ومركز كيان المنطقة الحرة يتوقف على ما إذا كان الدخل محل البحث يقع في الفئة المؤهلة. والتقرير الذي يعرض رقماً واحداً غير مفصَّل يفتح باب الاعتراض بأنه لم يعالج المركز على ما هو عليه اليوم.

وهذه مسألة عرض لا مسألة استشارة ضريبية. فالخبير يبيّن الأساس الذي احتُسب عليه الرقم ويحدد مواضع المنازعة في المعالجة الضريبية، ليرى صاحب القرار ما افتُرض بدل أن يستنتجه.

كلفة التكليف المتأخر

أشيع أسباب ضعف أثر التقرير أنه كُلِّف به بعد تصلّب المواقف. ففي تلك المرحلة تكون الأسئلة قد تشكّلت بالمذكرات لا بالوقائع المالية، وتكون مستندات كان الحصول عليها يسيراً قد صارت محل طلبات، ويكون من كان بوسعهم شرح قيد من القيود قد غادروا المنشأة.

والتكليف المبكر يُنتج ثلاثة أمور يعجز عنها المتأخر. فهو يثبّت الوقائع المالية بينما لا يزال الطرفان يكوّنان تصورهما عنها. ويتيح للمستشار القانوني تقدير ما إذا كانت الوجاهة المالية تسند الدعوى قبل الالتزام بكلفة التقاضي. ويُنتج مستنداً يمكن طرحه في مفاوضات التسوية، حيث يصعب تجاهل رقم تسنده السجلات بقدر ما يسهل تجاهل مطالبة.

وحين تكون الدعوى قائمة ويُرجَّح تعيين خبير من المحكمة، فالخطوة المُجدية ليست المبادرة إلى تكليف تقرير مضاد، بل ترتيب السجلات الأصلية أولاً. فخبير المحكمة يفحص ما هو قائم، والطرف الذي تكون سجلاته مطابَقة وكاملة وقابلة للتتبّع في مركز أقوى مادياً ممن يعوّل على تقرير ليعوّض سجلات ليست كذلك.

أسئلة شائعة

الأسئلة المتكررة

ما الفرق بين تقرير الخبرة المالية وتقرير التدقيق المعتاد؟

يُعبّر تقرير التدقيق عن رأي حول ما إذا كانت البيانات المالية تُعطي صورة حقيقية وعادلة. أما تقرير الخبرة المالية فيُعالج أسئلة محددة يطرحها قضاة أو هيئات تحكيم أو أطراف، مستخدماً التحليل المالي لإثبات الوقائع ذات الصلة بالنزاع. كلاهما يخدم غرضاً مختلفاً ولا يحل أحدهما محل الآخر.

هل أحتاج تقرير خبرة مالية إذا كان الطرف الآخر قد استعان بواحد بالفعل؟

ليس بالضرورة. إذا عيّنت المحكمة خبيراً، فلك الحق في تقديم اعتراضات رسمية على تقريره. غير أن تقرير الخبرة الذي يُكلّفه أحد الأطراف ويُعالج مباشرةً منهجية الخبير المقابل واستنتاجاته قد يكون مقنعاً، لا سيما في التحكيم حيث تتمتع الأطراف بمرونة أكبر في عرض الأدلة.

تابع القراءة

استكشف المزيد من المقالات حول النزاعات المالية والتدقيق وتقارير الخبرة في الإمارات.