التدقيق الجنائي هو فحص منهجي للسجلات المالية يُجرى لدعم الإجراءات القانونية أو التحقيقات الداخلية أو تسوية النزاعات المالية. على خلاف التدقيق الخارجي المعتاد الذي يُعبّر عن رأي حول ما إذا كانت البيانات المالية تُعطي صورة حقيقية وعادلة، يُعالج التدقيق الجنائي أسئلة محددة: أين ذهب المال، ومن كان يُسيطر عليه، وكيف هُيكلت السجلات، وماذا تُظهر الأرقام الفعلية حين تُفحَص عن كثب؟
المرحلة الأولى: التكليف والنطاق وقنوات الوصول
يبدأ التدقيق الجنائي بخطاب التكليف الذي يُعرّف التفويض. هذه الوثيقة الأكثر أثراً في العملية بأسرها. يُحدد التفويض: غرض التكليف والأسئلة المحددة الواجب الإجابة عنها والفترة محل المراجعة والكيانات والحسابات الواجب فحصها والوثائق التي سيتمتع الخبير بالوصول إليها وشكل التقرير النهائي والجمهور المستهدف به.
الحصول على النطاق الصحيح أمر بالغ الأهمية. نطاق ضيّق جداً قد يُفوّت النشاط المالي الأكثر صلة بالنزاع. نطاق واسع جداً يُفضي إلى تكاليف وتأخير غير ضروريَّين وتقرير يصعب تقديمه بوضوح في الإجراءات. في عمليات التدقيق الجنائي المأمور بها قضائياً، يُعرّف التفويض القضائي النطاق. في المهام الخاصة، يُتفق على النطاق بين العميل والخبير، ويُستحسن بمشاركة مستشار قانوني يفهم ما سيكون ذا صلة في الإجراءات المتوقعة.
تُعالج مرحلة التكليف أيضاً مسألة الوصول: ما الوثائق التي سيتوفر للخبير الاطلاع عليها وكيف ستُحصَّل؟ في الإجراءات الخصامية، يستلزم الوصول إلى سجلات الطرف الآخر أوامر قضائية. في التحقيقات الداخلية، يكون الوصول عادةً غير مقيَّد لكن قد يحتاج إلى إدارة حذرة للحفاظ على الحصانة القانونية.
المرحلة الثانية: جمع الأدلة وتحليلها
تأمين الوثائق المصدرية وتنظيمها. يطلب الخبير ويستلم السجلات المحاسبية وكشوفات الحسابات البنكية والعقود وقرارات الشركة وغيرها من الوثائق ضمن النطاق. في الإجراءات القضائية الإماراتية، يُلزَم الأطراف بتقديم الوثائق بناءً على طلب الخبير المعين قضائياً. الطرف الذي يحجب الوثائق يخاطر باستخلاص قرائن سلبية في تقييم المحكمة النهائي.
إعادة بناء السجلات المالية. حيثما تكون السجلات ناقصة أو مفقودة أو يُشتبه في تعديلها، يحاول المحاسب الجنائي إعادة بناء المعاملات من مصادر بديلة: كشوفات الحسابات البنكية وفواتير الموردين وسجلات الجمارك وسجلات الدفع لدى أطراف خارجية. تُوثّق عملية إعادة البناء ما هو موجود وما هو غائب على حدٍّ سواء.
التحليل المالي. يُطبّق صميم العمل الجنائي تقنيات تحليلية على الأدلة المجمَّعة. قد يشمل ذلك: تتبع تدفق أموال بعينها عبر الحسابات والكيانات؛ واحتساب الأرباح غير الموزّعة لفترات محددة؛ وتقييم ما إذا كانت المعاملات قد أُجريت بشروط السوق المستقلة؛ ورصد المدفوعات أو الإيصالات غير المتسقة مع العمليات المعتادة للشركة؛ وتطبيق منهجية احتساب التعويضات.
تحديد الشذوذات. يبحث التحليل الجنائي عن أنماط لا تتوافق مع العمليات المعتادة للشركة: معاملات مسجّلة بصورة متضاربة عبر الفترات، ومدفوعات لا تتوافق مع العقود، وتحويلات بأرقام مستديرة دون وثائق داعمة، وأرصدة حسابات لا تتطابق مع السجلات المصدرية الأساسية.
المرحلة الثالثة: التقرير وما يتلوه
ناتج التدقيق الجنائي تقرير مكتوب. يُعرض التقرير التفويض والوثائق المراجَعة والمنهجية التحليلية والنتائج والاستنتاجات. يجب أن تكون البنية شفافة: يجب أن تتمكن المحكمة أو هيئة التحكيم أو الخبير المقابل من اتباع مسار الاستدلال من الدليل إلى الاستنتاج في كل خطوة.
في الإجراءات القضائية الإماراتية، يُقدَّم التقرير إلى ملف المحكمة ويحصل كلا الطرفين على نسخة. في التحكيم، يُقدَّم ضمن سجل الأدلة. في كلتا الحالتين، يجب على الخبير توقع أن يُطعَن في التقرير وأن يكون قد وثّق المنهجية توثيقاً كافياً للرد على اعتراضات بعينها.
بعد التقديم، قد يُطلَب من الخبير: الرد كتابةً على الاعتراضات التي يُقدمها أي من الطرفين؛ والمشاركة في اجتماع أو جلسة مع خبير الطرف المقابل؛ أو المثول أمام المحكمة أو هيئة التحكيم لأداء شهادة شفهية والإجابة على أسئلة حول النتائج والمنهجية.
تتفاوت المدة الإجمالية تفاوتاً كبيراً. مهمة مركّزة تغطي كياناً واحداً على مدى سنتين أو ثلاث سنوات مالية قد تُنجَز في ستة إلى عشرة أسابيع من تاريخ الوصول إلى الوثائق حتى التقرير النهائي. المهام المعقدة التي تشمل كيانات متعددة أو سجلات متنازعاً عليها أو أُعيد بناؤها أو أحجاماً كبيرة من المعاملات كثيراً ما تستغرق أربعة إلى ستة أشهر أو أكثر.