حين تتضمن نزاعات المحاكم المدنية والتجارية الإماراتية أرقاماً مالية متنازعاً عليها، تلجأ المحاكم بصفة اعتيادية إلى تعيين خبير محاسبي مستقل. هذا التعيين إجراء قضائي رسمي محكوم بنص قانوني. يُجيب الخبير أمام المحكمة وحدها، ويتمتع بمركز في الإجراءات يختلف اختلافاً جوهرياً عن المستشار الذي يستعين به أي من طرفي النزاع.
الإطار القانوني
بموجب القانون الاتحادي رقم 10 لسنة 1992 (قانون الإثبات)، يجوز للمحاكم الإماراتية تعيين خبراء تقنيين حين تستلزم وقائع القضية معرفة متخصصة تخرج عن نطاق التقدير القضائي المعتاد. وتُعدّ المسائل المحاسبية والمالية من أكثر الأسباب الداعية لتعيين الخبراء شيوعاً في الإجراءات المدنية والتجارية.
تحتفظ وزارة العدل بسجل وطني للخبراء المعتمدين، م��نّفين وفق تخصصاتهم. يجري التعيين حصراً من هذا السجل. لا يحق للأطراف ترشيح خبيرهم المفضل، وإن كان بإمكانهم تقديم طلب إلى المحكمة لاستبدال الخبير المعين بسبب تعارض المصالح أو ضعف التأهيل أو الإخلال الإجرائي.
تعمل محاكم المناطق الحرة وفق أنظمة مستقلة. تحتفظ محاكم مركز دبي المالي الدولي ومحاكم سوق أبوظبي العالمي بقوائم خاصة من الخبراء المعتمدين وتتبع قواعدها الإجرائية في التعيين. الخبير المؤهل بموجب سجل وزارة العدل قد لا يكون مؤهلاً تلقائياً للتعيين في تلك الاختصاصات.
ما يُلزَم الخبير بالقيام به
يحدد أمر المحكمة النطاق الدقيق للمهمة. يُلزَم الخبير بالإجابة فقط على الأسئلة الواردة في الأمر، ولا يحق له توسيع نطاق تحقيقه خارج التفويض أو إبداء آراء في المسائل القانونية أو تناول مسائل لم تُحَل إليه من المحكمة.
تشمل العملية المعيارية: استلام أمر المحكمة وما تحتفظ به من وثائق، وطلب وثائق إضافية من الأطراف تحت إشراف المحكمة، وفحص السجلات المحاسبية وكشوفات الحسابات البنكية والعقود والجداول الداعمة، وتطبيق المنهجيات المالية المعترف بها، وإعداد تقرير مكتوب باللغة العربية، والمثول أمام المحكمة للرد على الاعتراضات الرسمية عند الاستدعاء.
يُقدَّم التقرير إلى ملف القضية. تحصل كلا الطرفين على نسخة منه وتتوفر لهما مدة محددة لتقديم اعتراضات مكتوبة. يجوز للمحكمة إحالة الاعتراضات إلى الخبير للرد عليها، أو تعيين خبير مساعد لمراجعة نقاط بعينها محل النزاع.
الثقل الإثباتي للتقرير
لا يُعامَل تقرير الخبير المعين قضائياً بالطريقة ذاتها التي تُعامَل بها الأدلة المالية المقدمة من أحد أطراف الدعوى. تمنحه المحاكم حجية افتراضية بوصفه تحليلاً تقنياً مستقلاً. وفي الواقع العملي، كثيراً ما يتبنى القضاة الإماراتيون نتائج الخبراء في المسائل المالية دون إعادة فحص مستقلة، لا سيما حين تكون المنهجية واضحة والاستنتاجات راسخة.
الحجية الافتراضية لا تعني أن التقرير بمنأى عن الطعن. تشمل الأسباب الوجيهة: تجاوز الخبير تفويضه، وعدم ملاءمة المنهجية للظروف، وغياب التوثيق الصحيح للوثائق المستند إليها، والتناقض الداخلي في الاستنتاجات. يجب إثارة هذه الاعتراضات عبر الإجراء الرسمي ضمن المدة التي تحددها المحكمة، لا بعد صدور الحكم.
ينبغي للأطراف الذين يتوقعون أن نتائج الخبير لن تعكس موقفهم الاستعانة بمستشار قانوني لمراجعة التقرير بعناية وتحديد أي أساس إجرائي أو منهجي للطعن في مرحلة الاعتراض. إثارة اعتراضات جوهرية للمرة الأولى في جلسة المرافعة الختامية نادراً ما تُجدي نفعاً.