تقارير الخبرة

ما هو الخبير المحاسبي المعين من قبل المحكمة في الإمارات؟

حين تتضمن نزاعات المحاكم المدنية والتجارية الإماراتية أرقاماً مالية متنازعاً عليها، تلجأ المحاكم بصفة اعتيادية إلى تعيين خبير محاسبي مستقل. هذا التعيين إجراء قضائي رسمي محكوم بنص قانوني. يُجيب الخبير أمام المحكمة وحدها، ويتمتع بمركز في الإجراءات يختلف اختلافاً جوهرياً عن المستشار الذي يستعين به أي من طرفي النزاع.

الإطار القانوني

بموجب المادة 109 من المرسوم بقانون اتحادي رقم 35 لسنة 2022 في شأن الإثبات في المعاملات المدنية والتجارية، يجوز للمحاكم الإماراتية تعيين خبراء تقنيين حين تستلزم وقائع القضية معرفة متخصصة تخرج عن نطاق التقدير القضائي المعتاد. وتُعدّ المسائل المحاسبية والمالية من أكثر الأسباب الداعية لتعيين الخبراء شيوعاً في الإجراءات المدنية والتجارية.

تحتفظ وزارة العدل بسجل وطني للخبراء المعتمدين، مصنّفين وفق تخصصاتهم. يجري التعيين حصراً من هذا السجل. لا يحق للأطراف ترشيح خبيرهم المفضل، وإن كان بإمكانهم تقديم طلب إلى المحكمة لاستبدال الخبير المعين بسبب تعارض المصالح أو ضعف التأهيل أو الإخلال الإجرائي.

تعمل محاكم المناطق الحرة وفق أنظمة مستقلة. تحتفظ محاكم مركز دبي المالي العالمي ومحاكم سوق أبوظبي العالمي بقوائم خاصة من الخبراء المعتمدين وتتبع قواعدها الإجرائية في التعيين. الخبير المؤهل بموجب سجل وزارة العدل قد لا يكون مؤهلاً تلقائياً للتعيين في تلك الاختصاصات.

ما يُلزَم الخبير بالقيام به

يحدد أمر المحكمة النطاق الدقيق للمهمة. يُلزَم الخبير بالإجابة فقط على الأسئلة الواردة في الأمر، ولا يحق له توسيع نطاق تحقيقه خارج التفويض أو إبداء آراء في المسائل القانونية أو تناول مسائل لم تُحَل إليه من المحكمة.

تشمل العملية المعيارية: استلام أمر المحكمة وما تحتفظ به من وثائق، وطلب وثائق إضافية من الأطراف تحت إشراف المحكمة، وفحص السجلات المحاسبية وكشوفات الحسابات البنكية والعقود والجداول الداعمة، وتطبيق المنهجيات المالية المعترف بها، وإعداد تقرير مكتوب باللغة العربية، والمثول أمام المحكمة للرد على الاعتراضات الرسمية عند الاستدعاء.

يُقدَّم التقرير إلى ملف القضية. تحصل كلا الطرفين على نسخة منه وتتوفر لهما مدة محددة لتقديم اعتراضات مكتوبة. يجوز للمحكمة إحالة الاعتراضات إلى الخبير للرد عليها، أو تعيين خبير مساعد لمراجعة نقاط بعينها محل النزاع.

الثقل الإثباتي للتقرير

لا يُعامَل تقرير الخبير المعين قضائياً بالطريقة ذاتها التي تُعامَل بها الأدلة المالية المقدمة من أحد أطراف الدعوى. تمنحه المحاكم حجية افتراضية بوصفه تحليلاً تقنياً مستقلاً. وفي الواقع العملي، كثيراً ما يتبنى القضاة الإماراتيون نتائج الخبراء في المسائل المالية دون إعادة فحص مستقلة، لا سيما حين تكون المنهجية واضحة والاستنتاجات راسخة.

الحجية الافتراضية لا تعني أن التقرير بمنأى عن الطعن. تشمل الأسباب الوجيهة: تجاوز الخبير تفويضه، وعدم ملاءمة المنهجية للظروف، وغياب التوثيق الصحيح للوثائق المستند إليها، والتناقض الداخلي في الاستنتاجات. يجب إثارة هذه الاعتراضات عبر الإجراء الرسمي ضمن المدة التي تحددها المحكمة، لا بعد صدور الحكم.

ينبغي للأطراف الذين يتوقعون أن نتائج الخبير لن تعكس موقفهم الاستعانة بمستشار قانوني لمراجعة التقرير بعناية وتحديد أي أساس إجرائي أو منهجي للطعن في مرحلة الاعتراض. إثارة اعتراضات جوهرية للمرة الأولى في جلسة المرافعة الختامية نادراً ما تُجدي نفعاً.

كيف يجري التعيين عملياً

أمر التعيين هو الوثيقة التي تحكم كل ما يليه. فبموجب المادة 111 من المرسوم بقانون اتحادي رقم 35 لسنة 2022، يبيّن قرار الندب المأمورية والصلاحيات الممنوحة للخبير والأجل المحدد للعمل. وتتناول المادة 112 أمانة أتعاب الخبير والطرف الملزم بأدائها. وتوجب المادة 113 على الخبير الإفصاح عن أي صلة أو مصلحة، وعدم الإفصاح سبب للعزل. والأطراف الذين يقرؤون الأمر بعناية في هذه المرحلة، لا بعد إيداع التقرير، هم من يتبيّنون ضيق المأمورية أو اتساعها في وقت لا يزال تصحيحها ممكناً.

وتحكم المادة 114 ردّ الخبير. فهي تبيّن أسباب الردّ، ويُقدَّم الطلب إلى المحكمة لا إلى الخبير، ويودع الخبير ردّه خلال يومي عمل، وتفصل المحكمة خلال ثلاثة أيام عمل، وقرارها نهائي. أما الاعتراض على شخص الخبير بعد أشهر، عقب صدور نتائج غير مواتية، فيفتح الباب أمام استنتاج أن الاعتراض منصبّ على النتائج لا على التعيين.

وتنظم المادتان 115 و116 سير المأمورية. فالمادة 115 تجيز للخبير سماع الخصوم وطلب الدفاتر والسجلات والمستندات. والمادة 116 تحيل الامتناع عن التقديم إلى المحكمة. وتبيّن المادة 117 ما يجب أن يتضمنه التقرير: المأمورية، وأقوال الأطراف، والمستندات، والتحليل الفني، والنتائج المسببة، مع إثبات الرأي المخالف. وتضع المادة 119(2) آلية التبادل: يُرسل التقرير الأولي إلى الأطراف، ولهم ثلاثة أيام عمل على الأقل للتعليق، ويرد الخبير خلال خمسة، ثم يُودع التقرير النهائي لدى مكتب إدارة الدعوى. ولا تقبل المادة 119(3) الاعتراضات بعد ذلك الإيداع إلا إذا كانت مستجدة. وتمنح المادة 121 المحكمة خياراتها: فلها مناقشة الخبير، والسماح للأطراف بمناقشته، والأمر باستكمال التقرير أو تصحيحه، أو ندب خبير آخر. وتقرر المادة 122(2) المبدأ الحاكم، وهو أن رأي الخبير لا يقيّد المحكمة، وعليها أن تبيّن أسبابها متى خالفته.

أما المركز المهني الذي يستند إليه ذلك كله فمصدره المرسوم بقانون اتحادي رقم 21 لسنة 2022 في شأن تنظيم مهنة الخبرة أمام الجهات القضائية. فالمادة 5 تنص على جدول الوزارة مصنفاً بحسب التخصص، والمادة 6 تضع شروط القيد ومنها المؤهل وسنوات الخبرة والتدريب والاختبار والتأمين. وتوجب المادة 4(1) أن يكون الخبير المندوب مقيداً في الجدول، وتجيز المادة 4(2) للأطراف الاتفاق على خبير غير مقيد بموافقة المحكمة. وتوجب المادة 11 أداء اليمين، وتوجب المادة 12 مزاولة المهنة من خلال منشأة خبرة مرخصة. وتحمل المادة 14 التزامات الممارسة: الاستقلال، وأداء المأمورية شخصياً، والسرية، وساعات التدريب السنوية، وحفظ التقارير، وإثبات اسم الخبير ورقمه على كل تقرير، وتمنع المادة 14(6) المأمورية متى كان الخبير قد استُشير من قبل أحد الأطراف. وتُبقي المادة 3 على إمكان أن تكون للجهات القضائية المحلية ومراكز التحكيم أنظمتها الخاصة بالخبرة، ولهذا تقع محاكم المناطق الحرة خارج هذا الجدول. وعند الإخلال بالالتزامات تسري أحكام التأديب الواردة في المرسوم بقانون، أما المسؤولية الجزائية عن تقرير كاذب عمداً فمرجعها قانون الجرائم والعقوبات لا ذلك النظام.

ما يفحصه الخبير فعلياً

يسير العمل من المُجمَل إلى التفصيل لا العكس. يبدأ الخبير من البيانات المالية أو الحسابات الإدارية التي يستند إليها كل طرف، ثم يتتبع تلك الأرقام رجوعاً إلى ميزان المراجعة، ثم إلى دفتر الأستاذ العام، ثم إلى المستندات المؤيدة للقيود المفردة. فالرقم الذي يصمد عبر هذه السلسلة رقم يجوز للتقرير الاعتماد عليه. والرقم الذي يتعذر ردّه إلى مستند يُدرَج في التقرير غير مؤيَّد، وهذه في ذاتها نتيجة.

والاختبارات المتكررة في النزاع المالي الإماراتي محدودة ويمكن توقعها. فتُطابَق كشوفات البنك مع دفتر النقدية عن كامل المدة محل النزاع لا عن أشهر مختارة، لأن المبلغ المتنازع عليه غالباً ما يكون هو الفرق بين الاثنين. وتُتتبَّع أرصدة الأطراف ذات العلاقة والأرصدة البينية في الاتجاهين، إذ إن وجود مدين في مجموعة دفاتر دون دائن مقابل في الأخرى هو المفصل الذي تدور عليه أغلب دعاوى الشركاء والمساهمين. وتُختبَر الإيرادات من حيث الفصل الزمني عند نهاية كل فترة. وتُتابَع العقود وصولاً إلى الفاتورة ثم إلى السداد، لأن استحقاقاً تعاقدياً بلا فاتورة مقابلة، أو فاتورة بلا عقد مقابل، هو ما ستسأل عنه المحكمة.

والمستندات ذاتها محكومة بالقانون نفسه، وأحكام إلزام الخصم بالتقديم هي الأهم للطرف. فالمادتان 33 و34 من المرسوم بقانون اتحادي رقم 35 لسنة 2022 تجيزان للطرف أن يطلب من المحكمة إلزام خصمه بتقديم مستند، وعند الامتناع تُعتبر صورة الطالب مطابقة للأصل أو يُؤخذ بوصفه للمستند. وتمضي المادة 35 أبعد في المواد التجارية، إذ يجوز اعتبار الامتناع قرينة على صحة الادعاء. وتجيز المادة 36 للمحكمة إلزام الغير أو جهة عامة بتقديم مستندات أو معلومات. وتترك المادة 37 تقدير عيوب المحرر للمحكمة. والمواد 53 إلى 63 تتناول السجلات والأدلة الإلكترونية وحجيتها، وهي موضع معظم البيانات المحاسبية اليوم. وتقرر المادة 3 المبدأ الكامن وراء ذلك كله: المحكمة توازن بين الأدلة المتعارضة وتبيّن أسبابها.

مواضع إضعاف الأطراف لمراكزهم

تقديم الملخصات بدل السجلات. الجدول المُعَدّ للخبير إفادة لا دليل. وحين لا تُقدَّم المستندات الأصلية إلى جانبه، يُدرِج الخبير الرقم بوصفه غير متحقَّق منه، ولا يضيف الجدول شيئاً إلى الدعوى.

تقديم المستندات متأخرة. المستندات التي تصل بعد إتمام الخبير تحليله قد لا تنعكس في التقرير أصلاً. فالخبير ملتزم بالجدول الزمني الذي حددته المحكمة، وإعادة فتح تحليل مكتمل شأن يعود إلى المحكمة لا إلى الطرف المتباطئ.

دفاتر غير مطابَقة. حين لا يكون دفتر الأستاذ مطابَقاً مع البنك عن المدة محل النزاع، يتولى الخبير المطابقة، ويصبح كل فرق يظهر نتيجة موثّقة لا مسألة داخلية.

اللغة. يُعَدّ التقرير باللغة العربية. والعقود ومحاضر مجالس الإدارة والمراسلات بلغة أخرى يُعمَل بها كما هي، غير أن الطرف الذي يقدّم ترجماته الدقيقة يتحكم في كيفية قراءة مستنداته بدل ترك ذلك ليُحسَم لاحقاً.

التقرير الأولي هو موضع نظر الطعن التقني على موضوعه، لأن المادة 119(3) لا تقبل الاعتراضات بعد الإيداع النهائي إلا إذا كانت مستجدة. والطرف الذي يدع مهلة التعليق تمضي ثم يثير النقاط ذاتها في جلسة المرافعة الختامية إنما يطلب من المحكمة إعادة فتح مرحلة أُغلقت.

متى يجب التحرك

العمل المُجدي يسبق تعيين الخبير. فمتى أصدرت المحكمة أمرها صارت السجلات على ما هي عليه، وفحص الخبير ما هو قائم. والطرف الذي يطابق حساباته ويستخرج عقوده وقرارات مجلس إدارته ويجمّع ملفاً مستندياً كاملاً في أثناء تبادل المذكرات يكون في مركز مختلف اختلافاً جوهرياً عمّن يبدأ ذلك العمل بعد تسلّم أول طلب من الخبير.

وحين تبرر المبالغ محل النزاع ذلك، فإن الاستعانة بمستشار مالي لمراجعة أمر التعيين حين صدوره ولمراجعة التقرير الأولي داخل مهلة التعليق التي تقررها المادة 119(2) هي السبيل العملي إلى جعل أي طعن تقنياً ومحدداً لا عاماً. فالمحاكم تستجيب للاعتراض الذي يحدد منهجية أو مستنداً أو رقماً، ولا تعطي وزناً يُذكر لادعاء مجرد بأن التقرير خاطئ.

أسئلة شائعة

الأسئلة المتكررة

هل يمكن لطرف في القضية اختيار الخبير المحاسبي المعين؟

لا. تختار المحكمة من سجل وزارة العدل المعتمد. يجوز للأطراف طلب استبدال الخبير بأسباب كتعارض المصالح، لكن لا يحق لهم اختياره بأنفسهم.

كم من الوقت يستغرق الخبير لإنجاز تقريره؟

يتفاوت الجدول الزمني بحسب تعقيد القضية. قد تُنجَز المهام البسيطة في 30 إلى 60 يوماً، أما القضايا المعقدة التي تشمل كيانات متعددة أو أحجاماً كبيرة من المعاملات فكثيراً ما تستغرق أربعة إلى ستة أشهر.

هل يُلزِم تقرير الخبير المعين قضائياً القاضي بقبوله؟

لا. التقرير دليل يجوز للمحكمة قبوله أو قبوله جزئياً أو رفضه. غير أن المحاكم الإماراتية تتبنى عادةً نتائج الخبراء في المسائل المالية، والخروج عنها يستلزم تسبيباً قضائياً.

تابع القراءة

استكشف المزيد من المقالات حول النزاعات المالية والتدقيق وتقارير الخبرة في الإمارات.